منتدى مرتبة الاحسان

بسم الله الرحمن الرحيم
اهلا وسهلا بك اخي الكريم في منتدى الحقيقةونأمل ان تكون مساهماتك في المنتدى في صحيفة اعمالك الحسنة وعلى بركة الله
منتدى مرتبة الاحسان

منندى يناقش الامورالاسلامية عامة والحقيقة عن التصوف الاسلامي خاصة دون تعصب

يقول الجنيد: التصوف ان تكون مع الله بلا عللاقة

    [b]علم من اعلام الطريق .... سيدي العربي الدرقاوي[/b]

    شاطر

    safwab75

    المساهمات : 13
    تاريخ التسجيل : 27/01/2011

    [b]علم من اعلام الطريق .... سيدي العربي الدرقاوي[/b]

    مُساهمة  safwab75 في الثلاثاء مارس 01, 2011 10:31 pm

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي جعل من آيات أوليائه ما يجري على ألسنتهم من المعارف، ويُتحِفهم به من اللَّطائف، و الصّلاة و السّلام على أشرف أنبيائه و أعزّ أوليائه سيِّدِنا محمّدٍ و على آله و صحابته، و على جميع أمّته، المستقدمين منهم و المستأخرين .. آمين.

    الشيخ محمد العربي الدرقــاوي

    الحمد لله الذي جعل في كلّ الزمان إلى الله داعيا وإلى معالجة أمراض النفوس وطريقة إصلاح القلوب هاديا،
    وجعل الأولياء آية في طريق الرشاد ،
    سلكوا الطريق إلى الله وعرفوا أحوالها واطلّعوا على دسائس النفس وعلموا أفعالها،
    فهداهم المولى إلى سبله بعد المجاهدة،
    واطمأنت نفوسهم بعد المعاناة والمكابدة،
    وتقرّبوا لمولاهم بخالص النيّة،
    وتقرّب منهم مولاهم كما يليق بالذات العليّة،
    وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، يعلّم من يشاء من عباده العلوم اللدنيّة،
    وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، الذي من اقتدى به رقي المراقي السنيّة،
    صلّى الله عليه وعلى أله الذين زهدوا في هذه الدنيا وعملوا حبّا في ذات الحقّ سبحانه وتعالى لا طمعا في جنّة ولا خوفا من نار،
    راجين الغرق في بحر الأحديّة المتلاشي في عظمة الذات العليّة،
    وتكتب لنا التمكين الراسخ كالطود الشامخ الجامع ما بين الشريعة والحقيقة،
    الحائز في كلّ مقام تحقيق كهف الأنام، وملجأ الخاص والعام .

    نفعنا الله ببركة رسوله صلّى الله عليه وسلّم ،
    وببركة الأنبياء والمرسلين
    وببركة التابعين وتابع التابعين،
    وببركة العلماء العاملين والأولياء الصالحين ممن أهلّهم الله للأخذ بيد العباد إلى معرفة الله سبحانه وتعالى،
    والذي تفرّع من شجرتهم نادرة الزمان كلمة الله اللدنيّة ومجمع تجلياته السنيّة :
    الشريف الدرقاوي الحسني المربي أبي المكارم سيدنا العربيّ ابن أحمد الدرقاوي radeya1.gif
    و نفعنا الله ببركاته
    وأمطر قبره بسحائب مغفرته،
    حيث عرف عنه برسائله ذات المعاني الغزيرة إذا قيست بما سواها من الكتب،
    لأنّها تحوي شريعة سيد المرسلين،
    وطريق السالكين وإشارات المحقّقين الواصلين العارفين،
    ومواجيد المحبّين المحبوبين،
    وهذه ما هي إلاّ استهلالة نذكر معها جملة من أقوال هذا العارف الكبير،
    وإن كان النهار لا تقام عليه الدلائل والبينات،
    فهو بحق الغوث الهمام،
    وقدوة الصدق للمربّين الواصلين الكاملين،
    فهو بالنظرة والعطفة يداوي،
    فهو من سادتنا الشرفاء أهل بيت الرسول المصطفى صلّى الله عليه وسلّم،
    الذين عنهم الرجس انتفى،
    وشمس مجدهم ما لها من خفا من الفرقة التي لقبّها الدرقاويّين الذين هم في بقاع الأرض منتشرون، وفي أماكنهم معظمّون بحيازة النسب الشريف .


    إنّ ما ورد على سرّه من الفيوضات الربانيّة المعطاءة كثيرة جدا
    وهي بحد ذاتها منبر هداية وسلوك وعبرة وموعظة كبيرة
    ودعوة للقلوب صادقة منهجها القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة
    حتى يستدل بها كلّ حائر ويستنير بها كلّ ضال ويؤمن بها كلّ متردّد ومتشّكك،
    ولتبقى درّة مضيئة في علم الأذواق والترقي،
    وتكون سببا في تنزّل الرحمة لأنّ الراحمين يرحمهم الله سبحانه وتعالى .


    وفي هذا المقام لا بدّ من ذكر بعض المقتطفات المختصرة من كلام العلويّ الطيب
    الذي هو بمثابة السلسبيل الذي يحمل بين طياته شفاء للقلوب المريضة
    حتى تخرج من دائرة الفراغ والفرقة
    ويحصل لها الجمع على التوحيد تنزّيها وتشبيها
    وحتى تتم الفائدة المرجوّة وهي ثمرة العبادة لله سبحانه وتعالى .


    لقد تمّ توبيب هذه المقتطفات من هذه الرسائل الزاخرة بالحكمة والآداب والسلوك
    وكلّ ما يلزم للسائرين طالبين معرفة الله سبحانه وتعالى شهودا وحالا وذوقا وعيانا،
    حيث يتمّ تقسيمها إلى ثمانية فصول وكلّ منها يحوى على شرح بعض المزايا التي اتصف بها رضي الله عنه
    والتي تقارب تسعة عشر بندا حتى تظهر آثاره العطرة المستمّر نتاجها ما دامت السّماوات والأرض .


    إنّني أطلب من الله ثوابه ومغفرته وأن يتوب عليّ إن لم أوفي لهؤلاء الرجال العظماء المتدركين حقّهم في التفصيل والشرح
    فهذا هو قدري عند الله : ( إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فأخطأ فله أجر واحد ) رواه الترمذي في سننه،
    إذا فالكلّ مأجور والحمد لله
    وليدع الإنسان للأجيال القادمة أن تتناول بالتشريح مزايا مثل هؤلاء العظام وبطريقة أشمل وأعمّ فأول البناء لبنة وآخره سقف وسكون .


    والله أسأل أن يجعل هذا الكتاب قربة خالصة لوجهه الكريم.
    وأن يمكّنني من خدمة السنّة النبويّة المطّهرة باليد والقلب والقلم واللسان.
    ولله الحمد أولا وأخرا والصلاة والسلام على خاتم النبيّين وأله الطيبين الطاهرين وصحبه المصطفين الأخيار .


    الشيخ محمد العربي الدرقاوي

    الفصــــــل الأول

    أولا : نسبه وولادته ووفاتــه

    أ : نســــبه

    اسمه ( أبو المعالي مولاي محمد العربي بن أحمد الدرقاوي )
    ونسبه يعود إلى الأشراف وهذه طائفة منتشرة وفي مواضعها مشتهرة،
    ففرقة منها بفاس دفع الله عنها كلّ بأس
    بالعيون تعرف بأولاد ابن عبد النبي،
    وكانت في هذه الفرقة المباركة النقابة زمن مولانا إسماعيل وسيدي محمد بن عبد الله ومولانا سليمان،
    كما وقفت على ذلك في خير موضع،
    ومنها فرقة بسوس الأقصى،
    ومنها فرقة بساحل دكّالة بثغر مدينة إسفن التي بها ضريح الوليّ الصالح الشهير الواضح ( أبي محمد صالح ) أستاذ الشيخ الكبير ( أبي مدين الغوث ) نفعنا الله به،
    والكثير منها بقبيلة بني زروال،
    وكلّهم أهل حياء وسخاء ومسكنة وعفّة،
    وجدّهم الذي ينتسبون إليه هو الإمام ( أبو عبدا الله سيدي محمد بن يوسف الملقب بأبي درقة ) حيث كان رضي الله عنه عظيم القدر،
    شهير الذكر وكان عالما عاملا زاهدا كثير القيام والصيام والصدقة،
    يختم القرآن الكريم كلّ يوم، مجاهدا في سبيل الله وكانت له درقة يتقي بها في الحرب،
    فصار يقال له ( أبو درقة ) وضريحه مشهور للزيارة ( بتامسنة ) بقبيلة ( الشاوية ) قريبا من وادي ( أم الربيع )
    وهو من ذرّية مولانا أحمد بن مولانا إدريس ابن مولانا إدريس رضي الله عنهم،
    ونسبه يجتمع ( بالإمام أبو القاسم الجنيد ) رضي الله عنه
    ، ولبس الخرقة عن سيدنــا ( ابن عطاء الله السكندريّ ) عن ( أبي العباس المرسيّ ) عن ( أبي الحسن الشاذليّ ) رضي الله عنهم أجمعين .


    وقد كان الشيخ مولانا ( العربي الدرقاوي ) رضي الله عنه في حالة شبابه يحتار في أمر نفسه ،
    فأراه الله تعالى ذلك عيانا وكشف له عن نور كالنور الذي تسميه العامّة (عروس المطر ) ضاربا قوسا من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى مولانا ( إدريس ) ومنه إلى سيدي ( أبي درقة ) ومنه إلى ( والد مولانا العربي ) رضي الله عنهم،
    وهذه الحيرة كثيرا ما اعترت الأفراد من آل البيت رضي الله عنهم،
    وسببه شدّة التعظيم لهذا النسب الشـــريف .


    ب : ولادته ونشأته :

    ولد مولانا ( العربي الدرقاوي ) رضي الله عنه بعد عـــــــــام ( 1159 هـ ) الموافق ( 1745 م ) بقبيلة بني زروال،
    ونشأ عند أهله في عفاف وطهر وحياء ومروءة،
    وكان وقت صباه مشتغلا بالقراءة والزيارة لا يعرف إلاّ الأخيار،
    مؤيدا محفوظا .


    ثم ّ إنّ بني زروال هو مكان ونشأة مولانا ( العربي ) رضي الله عنه،
    وموضع استقراره، وبها ضريحه،
    وهذه القبيلة مباركة لها منافع كثيرة منها أنّ بها أولاد الخلفاء الأربعة سادتنا ( أبو بكر، عمر، عثمان، وعلي ) رضي الله عنهم أجمعين،
    ومنها أنّ الوليّ الكبير الأستاذ الشهير سيدي ( أحمد بن مغيرة الزروالي ) قرأ سلكة برواية السبعة في الروضة الشريفة، روضة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم،
    فلمّا ختمها أجابه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقال له ( هكذا أنزل عليّ أيّها الإمام الزروالي، بارك الله فيك وفي الجميع )
    ومنها ما جمع الله فيها من الزروع والضروع والعنب والزيتون والفواكه،
    وشجاعة أهلها،
    وكان هذا الشيخ مولانا ( العربي ) رضي الله عنه يقول ( الناس يقولون من مسّ ثوبه ثوب الزروالي يربح ولا يخسر )
    وكأنّه رضي الله عنه أشار بهذا الكلام لنفسه تحدثا بنعم الله تعالى ونصيحة لعباد الله .


    ج : وفاتــه :

    انتقل للرفيق الأعلى رضي الله عنه ليلة الثلاثاء ( 1239 هـ ) الموافــق ( 1823 م ) وعن سنّ عالية نحو الثمانين سنة،
    ودفن بداره في البيت الذي توفي فيه بزاويته التي ( بننجساست ) على شاطيء البحر بقبيلة ( غمارة ) حرسها الله،
    وغسّله السيّدة الجليلة الحرّة الصائمة، القائمة المتصدّقة الذاكرة زوجته ( مريم بنت الشيخ أبي خدّة الحسناوي )
    وصلّى عليه الأستاذ وليّ الله سيدي ( أحمد بن محمد بن عبد الرحمن ) من تلاميذ الشيخ الكبير القطب سيدي ( عبد الوارث اليصلوتي العثماني )
    وكان كلّ ذلك بوصية منه رضي الله عنه .


    ثانيا : عبادته وصلاته والتزامه وكمالاته :

    أ : إنّ عبادته كانت على منهاج الشرع الشريف من غير تعقيد ولا فتور متوسطة ليست بالإفراط،
    وكان محافظا على النظافة والطهارة
    والتلاوة
    والاستخارة
    والزيارة
    وصلاة الضحى
    وتحيّة المسجد،
    وكان يوقظ أهله قبل صلاة الفجر،
    وعيادة المرضى،
    وتشييع الجنائز،
    وإطعام الطعام للصادر والوارد،
    فكان نادرة الزمان،
    ذاع خبره في جميع الأمصار لقد كان يطعم الطعام للخاصّ والعام،
    والمشار عنه للفضائل في كلّ وقت،
    والتواضع لله مع كلّ الخلق وكان ممن اطلع على حقيقة الوجود : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون / الزمر آية / 9)، ( أم هل تستوي الظلمات والنور / الرعد آية / 16 ) .

    كان يحثّ أصحابه على المواظبة الدءوب على الوضوء قبل كلّ صلاة والدعاء عقب كلّ صلاة،
    وكان يؤخر قلنسوته وعمامته في السجود ويباشر الأرض بجبهته وأنفه،
    ويرتل القرآن،
    ويفصل بين الفاتحة والسورة قدر ما يبلع الإنسان ريقه،
    وكذلك بين السورة والشروع في تكبيرة الركوع ،
    وكان يبسمل قبل الفاتحة في الفريضة والنافلة
    ويستر بها أحيانا في الفريضة في محل الجهر للوفاق بين الأئمة ( كما اختاره الإمام المزري وغيره )،
    وكان يذكر الذكر الوارد عقب صلاة الفريضة ( الاستغفار، شهادة التوحيد، آية الكرسيّ، سبحان الله والحمد لله والله أكبر كلّ واحدة ثلاثا وثلاثين مرة )،
    ويرفع يديه ويسأل الله من فضله الهداية والعافية لجميع العباد
    وكان يقول رضي الله عنه ( كرّرنا أعمالا كثيرة سنين عديدة وقد وجدنا لسائرها بركة كبيرة،
    وبركة تكرّار الصلاة قد وجدناها والله تفوق بركة كلّ عمل حيث من لا شيخ له فالشيطان شيخه، ومن لا شيخ له لا قبلة له، ومن لا قبلة له فهو بطّال )
    وكذلك الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم،
    وكذلك تلاوة القرآن الكريم
    وغير ذلك من أعمال البرّ
    والمحافظة على الفرائض والسنن،
    وكان يقول ( ما نفع القلب شيء مثل الزهد في الدنيا والجلوس بين يديّ الأولياء )
    وكان يحضّ على الصلاة لما رأى فيها من المناجاة لكونها محلّ تنزل البركات والرحمات وجامعة لجميع العبادات
    وكان يقول ( اغتنموا الصلاة قبل الفوت بالضعف والكبر أو الموت،
    ومن عليه فوائت فليقضها وإلاّ فسيندم عليها،
    فهي قرّة عين،
    وأعظم الكنوز والذخائر عنده فلا يعجز عنها ولا يكسل ولا يقنط من تكرارها ولا يملّ حضرا أو سفرا قياما وقعودا صحة وسقما )،
    وذلك مع كبر سنّه لأنّها كيمياء الأدب التي تقلب الأعيان .

    ب : إنّي أحبّك أن تعظم جانب ربّك إذ التعظيم هو سبب الربح،
    وما نال من نال خصوصيّة وبركة على يد أحد من أهل الله إلاّ بسبب تعظيمه إيّاه ولولاه لم ينل شيئا ومما قلناه في ذلك :

    العلم صيد والكتابة قيد + قيّد قيودك بالحبال الموثقة

    وإذا أردت أن تعرف قلبك عندك أم لا ،فاختبر نفسك وقت فاقتك ووقت ذمّ الناس لك ووقت فقدان شهواتك ،
    فإن انشرح صدرك وسررت فالقلب عندك لا محالة : ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربّه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله / الزمر آية / 22 )،
    إنّ الذي عليه الصوفيّة تيمنا بسيدنا إبراهيم الخليل أنّهم يجدون قلوبهم وقت الرخاء كما يجدونها وقت الشدّة سواء بسواء،
    وكذلك يجدونها وقت الصحّة والمرض ووقت العافية والبليّة،
    ووقت العزّ والذلّ،
    ووقت الغنى والفقر،
    ووقت السعة والضيق،
    كما وجد سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام وقت أن رموه بالمنجنيق في النار حيث كان ذلك امتحانا من الله صعب المراس حتى يتعلّم القاريء والسامع فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائــم .

    ج : إنّ الأحوال التي أنتم عليها وهي خرق العوائد إن لم تكونوا على بصيرة فيها ،
    فحتما تبعدكم من السنّة وتقرّبكم من البدعة وتلك هي البليّة والعياذ بالله،
    فلا تخرقوا عادة أنفسكم إلاّ فيما يثقل عليكم وليس بمحرّم شرعا ولا بمكروه،
    وأمّا قول الوليّ الصالح سيدي ( أبي العباس أحمد زروق ) رضي الله عنه : الذي هو ما لم تقوى الكراهة جدا فلا يليق بنا أن نعمل به في الوقت الذي قلّت فيه المحبوبات وكثرت فيه المكروهات وقلّت فيه المتابعة وكثرت فيه المخالفة إذ قال تعالى : ( قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله / آل عمران آية / 31 )،
    وأوصيكم أن تقوموا بالمفروض والمسنون وأن لا تسلكوا مسلكا قط بدون علم،
    وقال سيدنا ( أبو سليمان الداراني ) رضي الله عنه : ( لا ينبغي لمن ألهم شيئا من الخير يفعله حتى يسمع به في الأثر )،
    وقلنا ليس كمن علم كمن جهل إذ قال تعالى : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنّما يتذّكر أولوا الألباب / الزمر آية / 9 )،
    ومن يعلم ما يعمل ويحذر من مخالفة أمر ربّه فهو والله حقيقته نورانيّة غير ظلمانيّة ولا شكّ أنّ العلم نور والجهل ظلمة،
    والعلم نهار والجهل ليل،
    ويكفي أنّ العلم وعلوّه هو صفة الله تعالى،
    والسنّة المحمديّة هي السنّة،
    قال الشيخ الجليل وليّ الله تعالى سيدي ( البوصيري ) رضي الله عنه في بردته :

    دعا إلى الله فالمتمسّكون به + متمسّكون بحبل غير منفصم
    ولن ترى من وليّ غير منتصر + به ولا من عدوّ غير منقصم

    د : فالإكسير الحقيقيّ يا أخي الذي يقلب الأعيان حقيقة لا محالة
    ويملك به الإنسان نفسه والإنسّ والجنّ وما لا يتصور في عقله
    ويفوز بخيري الدنيا والآخرة هو ما أتانا به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الله تعالى في كتابه العزيز : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا / الحشر آية / 7 )،
    وإن شئت قلت هو الفطرة والنيّة والمحبّة والقناعة والمسكنة والصدق والشوق والعشق والتواضع والظنّ الحسن والخلق الحسن والسخاء والحياء والوفاء بالعهد،
    والوقوف عند الحدّ والتذلّل لله،
    والصبر على ابتلاء الله،
    والاكتفاء بالله وتعظيم شرائع دين الله
    أو نقول متابعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم
    ومتابعة الثقات الكبار من الأمّة المحمديّة
    وهم كثيرون أحياء وميّتون رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا ببركاتهم،
    إلاّ أنّهم رضي الله عنهم لا يعرفهم إلاّ من وصل مقامهم أو من وقف على آثارهم فاستدّل به عليهم، ولا يعرف ذلك إلاّ الحاذق اللبيب من أهل العلم رضي الله عنهم ولا يعرفهم غيره،
    فمن أعطاه الله هذا الإكسير الذي ليس له نظير فقد أعطاه الخير الكبير والسرّ الواضح الشهير، ونرى ( والله أعلم ) أنّ العود الأخضر من حيث كان أفضل منه إذ هو يسبح الله تعالى على الدوام ولم يتكلّف بشيء،
    والله يأخذ بيد كلّ مؤمن من الجنّ والإنسّ
    فاشرب يا أخي ويا إخواني كلّكم هذا الماء كما شربناه واحمدوا الله كما حمدناه،
    ومن تمامه التسليم والاستنصاف .


    ثالثا : صفاته وحريّته وصفاؤه :

    أ : قال رضي الله عنه : ( هممت مرّة بمعصية في حال الصبا مع بعض من تتعلّق الشهوّة به فخرجت بجسمي قروح كثيرة،
    عند ورود خاطر السوء على قلبي فاستغفرت الله فذهب ما بي في الحين )،
    فضلا من اله ونعمة، وكان محبوبا عند جميع من رآه .

    ب : لقد كان آية بالمعرفة بالله والعمل والكرم
    والحلم والصبر والتأنّي
    والعفة والورع والرحمة والتوكل،
    والخشية والهيبة،
    والسكينة والتواضع،
    والحياء والجود،
    والسخاء والزهد،
    والشفقة والقناعة،
    والاكتفاء بعلم الله،
    والأنس والاطمئنان بالله،
    والسكون إليه في جميع الأحوال،
    والعشق والشوق والعزم والقريحة والنيّة الصالحة،
    والمحبّة والظنّ الحسن،
    والصدق والهمّة العليّة،
    وسعة الصدر والأخلاق الكريمة والمحاسن العظيمة،
    والأحوال السنيّة،
    والمقامات السميّة،
    والمواهب اللدنيّة،
    والمواجيد الربانيّة،
    صاحب محو وفناء
    وصحو وبقاء
    وغيبة في مولاه،
    وشهود لما به مولاه .

    ج : لقد كان غارقا في بحر الحقيقة،
    وأوتي الجذب حقيقة،
    وأعطي القوّة والتمكين والرسوخ في المعرفة واليقين،
    وسلك من السنّة منهاجا قويما وصراطا مستقيما،
    وشرب من الخمرة الأزليّة صفوا،
    وورد من منهلها الأروى،
    فقويت أنواره،
    وفاضت في الآفاق بياناته وأسراره،
    وسقى الجمّ الغفير من شرابه كؤوسا
    وملأ قلوبهم وأرواحهم أقمارا وشموسا،
    فتوالت بذلك إرادته،
    ودامت لديهم مناولته،
    فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء،
    وقد بلغ له من المآثر مبلغ التواتر القطعيّ،
    وبالجملة فإنّ ظاهره كغيره من العارفين بالله رضوان الله عليهم كالناس في أحوال بشريتهم من الأكل والشرب والنوم والنكاح والبيع والشراء والتعجّب والضحك والسهو والنسيان والسؤال والضعف والمرض والاحتياج والاحتقار والعجز إلى غير ذلك من أوصاف البشريّة التي لا تناقض العبوديّة،
    فهم كالإكسير الذي يقلب الأعيان حقيقة،
    فهم كلمة الله التي لا حصر لها ولا نفاذ قلا تحصى شمائلهم ولا تنتهي فضائلهم،
    ولقد قال الشيخ ( أبو العباس المرسيّ ) رضي الله عنه : ( لو كشف عن حقيقة الوليّ لعبد )،
    فطريق القوم مبنية على التسليم والانقياد والاعتقاد على الإنكار والانقياد،
    وقال الشيخ ( زروق ) رضي الله عنه في هذا الباب : ( الفقر مبنيّ على البحث والتحقيق والتصوّف مبنيّ على التسليم والتصديق وبالله تعالى التوفيق ) .

    د : من أراد أن تريه الحريّة وجهها
    فليريها وجه عبوديتّه وهي النيّة الصالحة والمحبّة الصادقة والظنّ الحسن والخلق الكريم والوقوف عند الأمر والنهي من غير تبديل ولا تغيير
    فإنّها تريه وجهها ولا تستره عنه .

    هـ : فالجلال عين الجمال عند الأولياء الكمّل رضي الله عنهم
    إذ الجلال عندهم ذات والجمال صفات،
    وكيف يفرق بين الجلال والجمال أو نقول بين الذات والصفات،
    من يرى العزّ في الذلّ،
    والقوّة في الضعف،
    والعطاء في المنع،
    والنعمة في النقمة،
    والحياة في الممات،
    والعافية في البليّة،
    والحبيب في العدو
    والكبير في الصغير،
    وقد قال رجل للشيخ الجليل سيدنا ( ذو النون المصري ) رضي الله عنــه : ( أرني الاسم الأكبر؟، فقال له زاجرا : أرني الأصغر أريك الأكبر؟ )،
    إذ لم ير إلاّ العظمة والكبرياء قد تجلّت فيما اختفى،
    وخفيت فيما ظهر،
    وهي الظهور وهي الخفاء، وهي القرب وهي البعد،
    وهي العلوّ وهي الدنوّ، وهي الضعف وهي القوّة،
    وهي الفوقيّة وهي التحتيّة،
    وهي المفروقة وهي المجموعة وهي البعض وهي الكلّ،
    وهي المتلونة بكلّ تلون كائنا ما كان ذلك التلون .

    و : فالنفس والروح اسمان لشيء واحد من عين النور والله أعلم،
    وقد تثنيا أي عادا اثنين لاتصافه بوصفين وهما الصفاء والكدر لأنّ النفس ما دامت مكدّرة وهي لا يصّدق عليها الاسم والنفس عندما ذهب كدرها وصفت وتجوّهرت صدق عليها اسم الروح،
    ونرى أنّهما يتعاشقان دائما لبعضهما إذ كلاهما قريب من الآخر وكلاهما ذات حسن وجمال وقدر واعتدال،
    وإذا أراد الله أن يتولّى عبدا من عباده زوّجهما له أي مكّن هذه من هذه وذلك بأنّ النفس ترجع عن أهوائها التي أخذتها وبعّدتها من أهلها ووطنها وسلبتها من حسنها وجمالها وبهائها وشرفها وعلوّها وارتفاعها وما به مدّها مولاها حتى أنكرت أصلها هذا ولم تقرّه فلا تبقى على حالها بل تتركه وترجع عنه رجوعا كلّيا
    وحينئذ تدخل الروح بها فتمدّها بمعانيها وبأسرارها التي مدّها الله بها من حيث هي ولا نهاية لها وبقدر ما تترك من أهوائها يتقوّى مدد الروح من قبل ربّها
    فيكثر النكاح والنتاج وهو العلوم الإلهيّة الوهبيّة والأعمال الناشئة عنها ولذّة ذلك لا تحمل صاحبها إلاّ على مخالفتها وسيرها على مكروهاتها ومستثقلاتها لأنّه يهون عليه ذلك بسبب ما يرى من أنوارها وأسرارها وفوائدهـا.
    فإن شئت أن تتصل معانيك بمعانينا فصل حسّك بحسّنا،
    أو نقل قرّب حسّك من حسّنا أن أمكنك ذلك وإلاّ فبأدنى شيء من الزيادة توجهه إلينا ولو مرّة في الشهر لكي ترتبط معانيك بمعانينا .

    إنّ الشهود معنى،
    والمعنى لا يرتبط إلاّ بالحسّ ولا يدوم إلاّ بالمذاكرة والزيارة وخرق العادة،
    مهما وقع السكون إلى حالة وقعت الفترة لا محالة في أن تعجزوا عن الحركة أو نقول الأسباب إذ بها تقوى المشاهدة لأنّ المعاني لطيفة جدا إذا لم يكن الإنسان لبيبا تذهب من يده ولم يشــعر .

    ....مقتبس.

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت يونيو 24, 2017 6:20 am